الإثنين 25 / 09 / 2017 - 06:13 صباحاً حسب توقيت القدس الشريف , GMT +02:00

النشرة البريدية

الإسم

البريد الإلكتروني

المجتمع المدني ومنظماته, الانثباق والسياق
تاريخ النشر الأحد 22 / 03 / 2015 - 12:18 مساءً


د. ماهر الجعبري: لا ينفصل سياق المجتمع المدني السياسي والتاريخي عما يشهده العالم من صراع مرير بين الثقافات والحضارات، والتضارب الحاد في المصالح بين الدول وأصحاب المبادئ، والهيمنة الاستبدادية من قبل الدول ذات النفوذ العالمي. إذ خلال هذا الصراع وذاك التضارب تستخدم العديد من الوسائل من قبل الدول الأقوى للهيمنة على الدول الضعيفة، وكذلك لصرفها عن الانعتاق الحقيقي من التبعية الفكرية والسياسية، ومن ثم لإعاقتها عن صناعة النهضة على أساس ثقافتها.

وتمثِّل منظمات المجتمع المدني والجهات التي تموِّلها إحدى أدوات هذا الصراع العالمي والتاريخي ضد الأمة الإسلامية، وإن كانت تلك الأدوات تستخدم في البلدان الغربية في سياق التنمية والتطوير.

من المعلوم أن الدول العظمى ورثت وتبنّت ثقافات تحقِّق رفاهية لمجتمعاتها حسب وجهة نظرها الخاصة عن الحياة والقاضية بفصل الدين عن الحياة. والثقافات الغربية أوجدت تفصيلات وممارسات وأدوات تتفق مع تلك الثقافات وتنسجم مع طريقة العيش فيها. والثقافة الرئيسة الفاعلة رسمياً في المجتمع الدولي حالياً هي ثقافة الغرب الرأسمالي الديمقراطي. والدول المهيمنة مثل أميركا ودول أوروبا تستخدم تلك الأدوات والممارسات التي ساهمت أساساً في تحقيق نوع من الرفاهية لشعوبها، لكي تخترق بها المجتمعات المستضعفة في البلدان المهيمن عليها، بعد أن تشكلها بما يتلاءم مع أهدافها. وهي تضلِّل الشعوب المضطهدة وتستقطبها كما يستقطب الضبع فرائسه عن طريق إجراء القياسات الخاطئة بينها وبين الشعوب الغربية، وبالتالي تعمل على تضليل الشعوب المغلوبة نحو اعتبار نتائج تلك الثقافة الغربية كقيم ومفاهيم إنسانية عامة، لتتم المطالبة بها من كافة شعوب الأرض. ومن جانب آخر تساهم قاعدة «تقليد المغلوب للغالب» برضوخ بعض تلك الشعوب المقهورة للقوى الغالبة رضوخاً سياسياً وثقافياً، فيتم تمرير ذلك الكيد التآمريّ عليها، فتطالب بقيم المجتمعات الغالبة ومفاهيمها انبهاراً بها، دون النظر لصلاحها لها.
وضمن هذا الإطار، أبدعت الرأسمالية في إظهار الديمقراطية بإطار إنساني وترويجها كمنقذ للبشرية كونها ساهمت في نهضة شعوب الغرب، وإنقاذها من سباتها عندما رضخت تحت سيطرة الكنيسة.

لذلك فإن موضوع المجتمع المدني هو بعد من أبعاد الديمقراطية الرأسمالية التي تغزو العالم الإسلامي. ويتحدث العديد من الكتّاب -من غير «الإسلاميّين»- حول هذا المعنى، منهم مثلاً إبراهيم أبراش الذي يقول: «كثيرة هي المصطلحات التي يعج بها الخطاب السياسي العربي والتي تتردد كل يوم وتشكل حيزاً كبيراً من هذا الخطاب، ولكن دون أن تكون متأصلة لا في ثقافتنا ولا في وعينا السياسي، مصطلحات أقحمت إقحاماً وجاءت مستوردة مثلها مثل ما استوردنا من أيديولوجيات وأفكار وسلع وعلوم وتكنولوجيا، ومن هذه المصطلحات المجتمع المدني والمنظمات الأهلية وحقوق الإنسان والديمقراطية ودولة الحق والقانون... إلخ.»
إذن، من الصعب فصل موضوع المجتمع المدني عن الثقافة الغربية وخصوصاً الديمقراطية. والديمقراطية كما تحدد بعض الدراسات الصادرة عن مراكز الأبحاث الغربية مثل مركز نيكسون، هي محل النزال بين الغرب والأمة الإسلامية، وأن مستوى نجاح من يسمونهم الأصوليّين هو بمقدار قدرتهم على ضرب فكرة الديمقراطية لدى الأمة الإسلامية ونزع ثقة المسلمين عن مروّجيها، وبالتالي حشد المسلمين حول الفكرة الإسلامية ونمط الخلافة الإسلامية كنقيض للديمقراطية.
وجاء ترويج المجتمع المدني ومنظماته ضمن سياق «الإصلاح» الذي عملت أميركا على ترويجه في العديد من البلدان العربية بعد أن طرحه الرئيس الأميركي (السابق) جورج بوش الابن ضمن سياسة الهيمنة، واستخدم كشعار غربي في التعامل مع الأنظمة المسيطرة على الأمة، حيث يتم ضمن هذا السياق طرح مفاهيم أخرى تسهم في المضمون العام للإصلاح، ومفهوم «المجتمع المدني» واحد منها وأحد مرتكزات العمل للإصلاح. وعليه فَبُعْدُ «المجتمع المدني» في معادلة الإصلاح هو جزء رئيس في توجيه المسلمين للإصلاح على المقاس الأميركي، ولحرفهم عن التفكير الصحيح في النهضة الصحيحة على أساس الإسلام (الانقلابي في الحضارة) الذي يشكل تهديداً للغرب في ثقافته ومصالحه.
لذلك يأتي المجتمع المدني كبعد في الحرب الأيديولوجية واضحة المعالم بين الغرب والأمة الإسلامية، وبناء على ذلك تكونت وتشكلت معالم المجتمع المدني في البلدان العربية والإسلامية بدفع غربي واضح، وبرز نوع من التوجيه الغربي مع العمل الجاد والدؤوب لتفعيل دور منظمات المجتمع المدني للقيام بدور قد يكون بديلاً أو موازياً لدور الأحزاب المأجورة التي استغلّها الغرب لتحقيق برامجه، وخصوصاً بعد أن انكشف عوارها للأمة وفرغت من محتوياتها، ولم تعد قادرة على اختراق المجتمعات، وفي معنى قريب من هذا يقول المفكر الجابري: «مضمون المجتمع المدني يرتبط في أذهاننا اليوم بالطموح إلى تصفية «مجتمع العسكر» و«مجتمع القبيلة» و«مجتمع الحزب الرائد القائد»، وبالتالي فسح المجال لقيام مجتمع المؤسسات القائمة على التعبير الديمقراطي الحر.»
ومع أن كلا الفريقين (المؤسسات الحكومية العميلة للغرب والمؤسسات غير الحكومية الممولة من الغرب) يعمل تحت عين الغرب وبصره وضمن توجيهاته، إلا أن الأنظمة العربية تخشى من تغلغل المجتمع المدني لكيلا ينافسها في تحقيق المصالح الذاتية، ولأنه يفسح المجال «لتفريخ» قيادات بديلة.
ومن أجل التقدم باتجاه الوعي على الموضوع ومواجهته، لا بد من مراجعة تطور المصطلح تاريخياً من أجل تحديد مفهومه العام على أسس متينة، وتوضيح الاختلافات الحالية في تحديد مكونات المجتمع المدني.
تحدَّث العديد من الكتاب والأكاديميين في البلدان العربية حول مفهوم المجتمع المدني وتطوره، وكثر النقاش حوله خلال العقدين الأخيرين، وهي تفيد أن استخدام هذا المصطلح بدأ في الثقافة الغربية كمصطلح معاكس للمجتمع الديني، أي الكنيسة التي كانت تشكّل مجتمعاً مستقلاً ومتمايزاً، أو دولة داخل الدولة.

تعليقات
0
عرض الردود
أضف تعليقك


جميع الحقوق محفوظة لدى Watch Pal NGOs ©
الهيئة الاستشارية الفلسطينية لتطوير المؤسسات غير الحكومية
فلسطين - جنين - شارع حيفا - بناية الأريج   هاتف:0097242501989   تلفاكس:0097242501989   البريد الإلكتروني: info@watchpalngos.org
© All rights reserved to Watch Pal NGOs
West Bank   Tel: 0097242501989   Fax: 0097242501989   E-mail: info@watchpalngos.org
Designed by: Site Go